.. ولا يصابون، وأحيانًا ينتقل من هذا إلى جاره، وما أمر الكوليرا ببعيد؛
الكوليرا تدخل البيت وتصيب واحدًا، وربما تصيب اثنين وثلاثة وأربعة، وينجو
الباقون.
حُدِّثنا عن سنة مرت بأهل نجد يسمونها أهل نجد اسمًا جيدًا؛ يسمونها
سنة الرحمة، صار فيه وباء، الله أعلم أنه هو الكوليرا، حدثونا أن بعض البيوت يدخلها
الوباء هذا ويموتون إلا واحدًا، ويخصونهم: آل فلان دخل بيتهم وكانوا أحد عشر نفرًا
مات منهم عشرة وباقٍ واحد.
هذا مع أنه متعرض للبلاء ومع ذلك نجا، حتى العدوى في
الأمراض السريعة الانتشار لا تكون إلا بإذن الله، فأنت اعتمد على الله عز وجل وتوكل
عليه.
وقد رُوِي أن الرسول عليه الصلاة والسلام جاءه رجل
مجذوم، فأخذ بيده النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: «كُلْ»، من الطعام الذي
كان يأكل منه الرسول عليه الصلاة والسلام، «كُلْ بِاسْمِ
اللَّهِ» .
لماذا؟ لقوة توكل الرسول عليه الصلاة والسلام، فهذا التوكل القوي مقاوم لهذا السبب
المعدي.
(...) ليس تأثيرًا ذاتيًّا لها بحيث لا يتخلف عنها، بل إنما هو من الله
عز وجل، فنفيها إذن نفيٌ لتأثيرها بنفسها.
وهل العدوى ثابتة؛ وجودها؟
طالب: نعم.
الشيخ: ويش
الدليل؟
الطالب: الدليل واضح أنها تُعْدِي.
الشيخ: (...) أنها لا تؤثر تأثيرًا ذاتيًّا بنفسها، وكم من إنسان
باشر المرضى ولم يصبه عدوى، وكم من إنسان بعيد عنهم فأصابته، وكم من أرض ليس فيها
شيء من هذا المرض إطلاقًا فيحدث فيها، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟» لما سأله الأعرابي عن
الإبل تكون سلمية ما فيها جرب، ثم يوجد جرب بسيط في واحدة منها، فيعدي الباقي، فقال
الرسول عليه الصلاة والسلام: «فَمَنْ أَعْدَى
الْأَوَّلَ؟» .
طالب: شيخ، في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ لَا تَدْخُلُوهَا» ،
هذا يعني يشير أنه إذا أنتم موجودون لا تهربوا، (...)؟
الشيخ: نعم.
الطالب: كيف الجمع
بينهما؟
الشيخ: الجمع بينهما أن المجذوم غير الطاعون،
الطاعون وباء عام، المجذوم هذا وباء خاص في شخص، فأنت لا تحرص على مخالطته، ابتعد
عنه.
طيب هذا الجمع الذي أشرنا إليه هو أحسن ما قيل في الجمع بين
الأحاديث.
وبعضهم ادعى النسخ؛ فمنهم من قال: إن الناسخ «لَا
عَدْوَى» ،
والمنسوخ مثل: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ» و«لَا
يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» .
وبعضهم عكس.
والصحيح أنه لا نسخ؛ لأن من شروط النسخ تعذر الجمع، وإذا أمكن الجمع
وجب؛ لأن في الجمع إعمال الدليلين، وفي النسخ إبطال أحدهما، وإعمالهما أولى من
إبطال أحدهما؛ لأننا اعتبرناهما وجعلناهما حجة.
طالب:
فإنه واقع، لو قلنا: إنه منسوخ الواقع..
الشيخ: إي نعم،
الواقع يشهد بأنه ليس بمنسوخ.
طالب: ما الجواب عن
الإشكال هذا؟
الشيخ: الجواب ما قاله الرسول عليه الصلاة
والسلام: إنها لا تؤثر بنفسها، الرسول..
الطالب: ما قال
الرسول هكذا؟
الشيخ: هذا إشارة إلى هذا الشيء؛ لأن
قوله: «مَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟» حجة قاطعة؛ مثل قول
إبراهيم عليه الصلاة والسلام: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة: ٢٥٨]، قد يكون أعرابي لو أنه شُرِح له ما تؤثر بنفسها وما أشبه ذلك قد لا يدركه
تمامًا في أول وهلة، لكن إذا جيء بالأمر القاطع الذي لا يمكن المنازعة فيه فهو
(...) على غيره.
طالب: طيب اللي أعدى الأول
العدوى؟
الشيخ: لا، الذي أوجد المرض في الأول هو الله،
ولهذا دائمًا يجيء المرض بدون أي سبب، من الله فقط؛ مثل الطاعون، أحيانًا يكون سببه
الإعداء، وأحيانًا ينزله الله عز وجل من السماء.
طالب:
(...) أخبر بأنه (...) أنه ليس بمرض، ولهذا قال في الحديث الآخر: «الْفَارُّ مِنَ الطَّاعُونِ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ»
فليس بمرض، لو كان
مرضًا؛ يعني لو خرج الواحد (...) من البلد..؟
الشيخ:
لا، الرسول قال: «لَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»
،
ويجوز الخروج من البلد لغير الفرار؟ يجوز، كما قال الرسول عليه الصلاة
والسلام.
الطالب: لو كان مرضًا (...)؟
الشيخ: لو كان مرضًا فرارًا منه.
الطالب: يعني كيف أن واحدًا (...)؟
الشيخ: لا؛ لأنه إذا خرج فرارًا منه معناه أن هذا نقص في التوكل
على الله عز وجل، فما دام لك غرض في البقاء في هذا البلد لا تخرج؛ مثل الذين خرجوا
من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، فأراد الله أن يبين لهم أنه لا فرار منه قال لهم:
موتوا.
وأما كونه وَخْز أعدائنا من الجن فإن هذا لا يمنع أن يكون مرضًا؛ فإن
المرض قد يكون سببه اعتداء بعض الناس، لو اعتدى عليك إنسي في جسمك مثلًا، هذا الجسم
محل هذا العدوان؛ محل الضربة، محل الشجة يتأثر، هذا إذا صح الحديث أيضًا يحتاج إلى
تصحيحه، فإذا صح الحديث فالجواب عنه هكذا.
الطالب:
الحديث؟
الشيخ: «إِنَّهُ وَخْزُ
أَعْدَائِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» الطاعون.
طالب: طيب شيخ، إذا قلنا: إنه نقص في التوكل إذن «لَا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ» فيه
أيضًا نقص توكل؟
الشيخ: لا، بينهما فرق؛ لأن «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ» مثل قوله: «فَلَا
تَدْخُلُوهَا».
الطالب: فإذا كانوا (...) يخرج
عنها ولَّا يبقى؟
الشيخ: يجوز الخروج عنها؛ لأنه ليس
هذا من الوباء العام مثلما أجبنا به الأخ، فالوباء العام لا تخرج منه فرارًا، وأما
الوباء الشخصي فهذا الرسول قال: «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ
فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ» ، فأنت تبعد عنه، على أنه
يحتمل أن معنى «فِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ» يعني: لا تجالسه، فلا يشمل من كان جالسًا
معه فيقوم عنه، يحتمل هذا، وإن كان الظاهر العموم؛ فرَّ منه لا تأتِ إليه، وإذا أتى
إليك فاحرص أن تبتعد.
الطالب: والفرار، قوله: «فِرَّ مِنَهَ» ما يحتمل أنه مثل قوله: «لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى..»؟
الشيخ: هذا إذا قلنا: «فِرَّ مِنَهَ»
يعني: لا تجالسه، لكن الحديث ظاهره العموم، «فِرَّ
مِنَهَ»: لا تجالسه، وإذا جلس إليك فقم عنه.
على أن هذا الأمر أيضًا
يختلف باختلاف الناس؛ ففي الناس من هو قوي التوكل، يكون عنده هذا السبب المؤثر ليس
بشيء، فقوته توكله بمنزلة الدرع الذي يلبسه المقاتل لا يؤثر فيه السلاح، وهذا أمر
حتى عند الناس الآن بالنسبة للعين، تعرفون العين؟
طالب:
نعم.
الشيخ: يقولون: إنها لا تصيب إلا الذي يخاف منها،
أما الإنسان اللي ما يهتم بها وربما يتحدى العائن تحديًا فإنها لا تصيبه؛ وذلك لقوة
ما في نفسه من الدفع. وقد ذكروا أن خالد بن الوليد رضي الله عنه أكل السم فلم يتأثر
به.
فالمهم أن القوة التي تتعلق بالبدن قد يجعل الله فيها مانعًا، حتى الأمراض
الطبيعية العادية قد يدخل هذا الميكروب في بدن إنسان فيتأثر به، يكون قابلًا له،
وقد يدخل في بدن آخر فيهلك ويموت، هذا الميكروب اللي كان بالأول بالنسبة للشخص
الثاني أهلكه، وهذا شيء مشاهد، فالقوى المادية والمعنوية قد تدفع ضرر العدوى وهذا
المرض.
عندك الآن الأطباء يعالجون أمراضًا معدية، لا شك في هذا، لكن لقوة نفوسهم
بحيث يشعر الواحد منهم أنه يريد قتل هذا المرض، قد يُعْصَم منه ولا يُنَال به؛ لأن
عنده من القوة النفسية ما يدفع وجود هذا المرض.
وإذا تأمل الإنسان هذه الأمور
وهذه الأسباب الحسية والنفسية والمعنوية يتبين بذلك حكمة الله عز وجل، وأن من
الأسباب ما يؤثر إذا كان المحل قابلًا، ومنها ما لا يؤثر إذا كان غير قابل، حتى
القلم المداد الآن تكتب على ورق فيقبل، لكن تكتب على شيء فيه دهن أو أملس جدًّا ما
يمسك، فالأشياء لا بد لها من محل قابل ولو كانت مؤثرة في محل آخر، إي نعم.
طالب: بس ما يحتمل أن قول النبي عليه الصلاة والسلام: «فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا» (...)؟
الشيخ: لفظ الحديث في البخاري «فَلَا
تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ» ،
بهذا اللفظ، ولَّا بعض المتأخرين قال: إن هذا من باب الحماية والحجر الصحي؛ لئلا
يعدي البلاد الأخرى، لكن الرسول غلَّب جانب التوكل؛ الاعتماد على الله عز وجل، قال:
«فِرَارًا مِنْهُ»، فلو خرج الإنسان -مثلًا- لحاجة، أو
كان أتى لهذا البلد لحاجة وانتهت حاجته ويريد أن يرجع إلى بلده ولو كان قد وقع فيها
الطاعون؛ فلا يدخل في النهي.
طالب: (...) ذكره ابن حجر
رحمه الله قال بأن «لَا عَدْوَى» هذا
يعتمد أنه لا عدوى، والأدلة الأخرى تحمل على.. يعني إذا قدَّر الله وقع مرض حتى لا
يقع في نفس الإنسان الآخر الذي جاءه المرض أنه أعداه هذا، (...)؟
الشيخ: قال هذا لكنه ما هو بصحيح.
الطالب: وحديث «فِرُّوا مِنَ الْمَجْذُومِ»
قال: هذا من باب قوله تعالى: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: ٤٠].
الشيخ: لا، هذا غلط؛ أما
الأول فوجه غلطه الواقع.
الطالب: حديث الأعرابي الذي
سأل النبي صلى الله عليه وسلم (...) «مَنْ أَعْدَى
الْأَوَّلَ؟».
الشيخ: نعم الرسول عليه الصلاة
والسلام بيَّن أن العدوى منتقلة بأن الله جعل هذا المرض سببًا للانتقال، نفس هذا
المرض منتقل، لكن من الذي جعله ينتقل؟ هو الله عز وجل، كما جعل المرض ينزل بدون أن
يكون هناك شيء يُعْدِي، فالمسألة كلام ابن حزم على ظاهره بس، وهو رحمه الله -كما
تعرفون- ظاهري، لكن الصواب ما قاله ابن القيم في هذه المسألة، وهو ما أشرنا إليه،
وهو المعتمد؛ لأن الشرع ما يمكن يخالف الواقع، ولو أنك قلت: إن الرسول عليه الصلاة
والسلام يقول: إنه ما يمكن فيه مرض يُعْدي، لو قلته الآن لكان في ذلك ضجة عظيمة ضد
الإسلام؛ لأن الآن لو قلته (...) العدوى، هذا لا يمكن، لكن إذا قلت: هذه العدوى
الذي نقلها من هذا المريض إلى هذا السليم والذي أوجد هذا المرض أولًا هو الله زال
الإشكال، ونقول: كل شيء بقضاء الله وقدره.
طيب هذه «لَا
عَدْوَى» ،
وأظن -إن شاء الله- الأمر فيها واضحًا، والجمع بين الأدلة واضح جدًّا.
وقلنا
أيضًا: إن الأسباب المادية أو المعنوية أو النفسية إنما تكون أسبابًا مؤثرة بإذن
الله عز وجل وبوجود محل قابل، فإذا لم يكن هناك محل قابل فإنها لا تؤثر، وقد علمنا
سابقًا أن جميع الأمور الكونية والشرعية لا بد فيها من وجود الشروط وانتفاء
الموانع، حتى الأسباب الشرعية؛ أسباب الإرث إذا وُجِد المانع أثرت ولَّا لا؟ ما
تؤثر، إي نعم، وهذا من الحكمة؛ أن الكون والشرع -سبحان الله العظيم- ما يتنافران،
كلاهما على نظام واحد، ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، ولا تجد في شرعه من تناقض،
إي نعم.
الطالب: شيخ، (...) نقل كلام ابن حجر وليس ابن
حزم؟
الشيخ: لا، أظنه ابن حزم.
الطالب: لا، هو ابن حجر.
الشيخ: يمكن
نقلها عن ابن حزم.
طالب: (...) قوله تعالى..؟
الشيخ: لا، اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْما ندري عنها، لكن الكلام الأول هو من كلام ابن حزم، لكن يمكن ابن حجر نقله عنه،
إنما على كل حال سواء ابن حجر أو ابن حزم أو أي إنسان هذا القول ما هو بصحيح ولا
ينبغي أن (...).
طالب: إذا قلنا: المحل القابل، الحين
البهائم (...) وهي ما تدري؟
الشيخ: إي؛ لأن ما عندها
قوة مانعة؛ لأن المحل القابل ما هو معناه أنه (...) خوف، هي لا تدري مثلما قلت، بل
العين تصيب الأحجار وتكسرها وتهدم المباني وتوقف السيارات.
حكي لنا أن جماعة
يشتغلون في الوادي، فمرت بهم سيارة بعد الظهر -والمقولة هذه لأنها طريفة لأجل
تنشطكم شوي- يقولون: مرت بعد الظهر، قال بعضهم لبعض: ليت هذه ما مرت إلا عقب ما
انتهينا حتى نركبها إلى عنيزة، فيهم واحد -والعياذ بالله- عائن قال: لا تهمكم ما هي
برايحة، المهم مشت حوالي ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع ثم وقفت، السواق نزل، نظر،
فكَّر، وقدَّر، وكل شيء سواه عايزها تمشي، عايزها تقوم أصلًا، هم (...) على شغلهم
وأذن العصر وصلوا وتهجروا، الناس الأول ما يتهجرون يأكلون تمرًا بعد العصر، ويومهم
انقضى براحة وطمأنينة، طلعوا من المشغل -مكان الشغل- وقالوا: (...) السيارة وقالوا
له: عسى (...)، ويش (...) يا ابن الحلال؟ قال: والله ما أدري عنها، وقفت وكل شيء
نظرته وما فيه شيء، قال: (...) وترسلنا إلى عنيزة، قال: (...)، قالوا: اركب سيارتك
وتحاول ندفعها معك، فعلًا دفعوا معه وحاولوا ومنين ما شغلها اشتغلت، وركبوا (...)،
سبحان الله العظيم، عجائب!
طالب: هذه معروفة.
الشيخ: إي، معروفة لكن ودي أن أذكرها.
طالب: الدخول على بلد فيها الطاعون لماذا لا يكون من
التوكل؟
الشيخ: لا، هذا من توقي الأسباب، كما أنك تجتنب
النار وتتجنب محل الهدم وما أشبه ذلك، فإن هذا من باب توقي الأسباب، هذا مما يدل
على أن له تأثيرًا.
الطالب: الفرق بينه وبين عدم
الخروج؟
الشيخ: فرق بينه؛ لأن الخروج نزل به الأمر،
وإحنا مر علينا فيما سبق قاعدة فقهية تتنزل على هذا، مرت علينا أظن قبل أول
البارحة؛ الدفع أهون من الرفع، ومدافعة الشيء قبل نزوله أهون من رفعه بعد
نزوله.
طيب «وَلَا طِيَرَةَ» تقدَّم لنا أن الرسول
قوله: «لَا طِيَرَةَ» هذا نفي، لكنه هل هو نفي على بابه
أو هو نفي بمعنى النهي؛ لأن النفي قد يأتي بمعنى النهي؟
اختلفوا في ذلك، كما
اختلفوا في قوله تعالى: ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: ٢] هل هو نفي أو نفي بمعنى النهي؟ والصواب أنه نفي؛
لوجهين:
الوجه الأول: أن هذا هو ظاهر اللفظ، ولا ينبغي أن نعدل عن ظاهر اللفظ
إلا بدليل.
وثانيًا: أن النفي أبلغ من النهي؛ لأن النفي يقتضي انتفاء الوجود
والنهي يقتضي المنع، وفرق بين الأمرين؛ فرق بين شيء يقتضي الانتفاء رأسًا وبين شيء
يقتضي النهي عن الفعل، فإذا قلنا: إنه نفي بمعنى النهي صار معناه النهي عن هذا
الفعل وهو التطير، وإذا قلنا: إنه نفي على بابه فهو ينفي التطير.
هذا النفي هل
هو نفي لوجوده أو نفي لتأثيره؟ نفي لتأثيره، أما الوجود فقد وُجِد من يتطير لكنه
نفي لتأثيره، الطيرة ما تؤثر في الحقيقة، الطيور إذا راحت يمينًا أو شمالًا أو
أمامًا أو خلفًا هل لها أثر في الإيجاد أو في الإعدام؟ لا، فلا طيرة.
«وَلَا هَامَةَ» ذكرنا أن الهامة فسروها بتفسيرين:
أحدهما:
أنها داء في البطن، فيكون عطفًا على قوله: «لَا
عَدْوَى» من باب عطف الخاص على العام.
والقول الثاني: إن الهامة طائر
يقال: إنها البومة أو تشبهها، وأنها تنعق إذا نعقت على دار أحدهم قال: سأهلك أو
يهلك أحدٌ من عائلتي، وما أشبه ذلك، فهذا لا تأثير له.
وقيل: إن الهامة دودة
تخلق -على دعواهم ما هي حقًّا- دودة يزعمون أنها تُخْلَق من روح المقتول وأنها تطير
وتصيح حتى يُقَاد من القاتل. وكل هذا من أمور الجاهلية لا حقيقة لها.
أما إذا
كانت الهامة مرضًا في البطن ينتقل إلى الصحيح فقولنا فيها كقولنا في «لَا عَدْوَى». أما إذا كانت هذا الطير أو إذا كانت دودة تخرج
من قبر المقتول وتُخْلَق من روحه وتدعو أهله إلى الأخذ بالثأر فهذا وهم لا حقيقة له
إطلاقًا.
يقول..، في قول الشاعر:
| يَا عَمْرُو إِلَّا تَدَعْ شَتْمِي وَمَنْقَصَتِي |
أَضْرِبْكَ حَتَّى تَقُولَ الْهَامَةُ
اسْقُونِي |
الشاهد هذا: حَتَّى تَقُولَ الْهَامَةُ
اسْقُونِي، معناه: أضربك حتى تموت.
وقوله:
«وَلَا صَفَرَ»
أيضًا اختلفوا في تفسيره على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إنه
«لَا صَفَرَ» أنه نهي عن النسيئة، وكانوا في الجاهلية ينسؤون،
محرَّم من الأشهر الحرم فإذا اشتهوا فيه القتال استباحوه، وأخَّروا الحرمة إلى شهر
صفر، فهذا النسيء اللي ذكره الله عز وجل
فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ [التوبة: ٣٧]. هذا قول، وهذا القول ضعيف، ويضعفه أن الحديث
في سياق التطير وليس في سياق التغيير.
وقيل: إن صفر داءٌ يخرج أيضًا في البطن
فيمرض منه وينتقل.
وقيل: إن صفر هو صفر الشهر، وإنه كانوا يتشاءمون به في
الجاهلية من هذا الشهر.
ومعلوم أن الأزمان لا دخل لها في التأثير وفي تقدير الله
عز وجل، إذن هذا القول هو أقرب شيء؛ أن صفر يعني الشهر؛ يعني: لا شؤم فيه، وهو
كغيره من الأزمان يُقدَّر فيه الخير ويُقدَّر فيه الشر.
أنا أسمع أن بعض الناس
يؤرخ فيقول: انتهى في يوم خمس وعشرين صفر الخير، فما رأيكم في هذا؟ هذا غلط، هذا من
باب مداواة البدعة ببدعة، والجهل بالجهل، فهو ليس شهرَ خيرٍ ولا شهر شرٍّ، هو كغيره
من الشهور، ولهذا أنكر السلف على من إذا سمع البومة تنعق يقول: خيرٌ خيرٌ إن شاء
الله، أنكروا عليه وقالوا: لا تقل: خيرًا ولا شرًّا، هي تنعق مثلما تنعق بقية
الطيور.
طالب: طيب يا شيخ، قولنا في شهر رمضان: شهر
الخير والبركة؛ لأنه شهر يعني..؟
الشيخ: لا، هذا لا
بأس، المراد بالخير العبادة، ولا شك أنه شهر خير.
الطالب: حقيقة.
الشيخ: إي، ما فيه
شك.
طالب: وغيره، يقولون مثلًا: رجب المعظَّم (...) رجب
المعظم؟
الشيخ: إي، بناء على أنه من الأشهر
الحرم.
إذن هذه الأربعة التي نفاها الرسول عليه الصلاة والسلام تَبَين لنا أنها
كلها مبنية على وجوب التوكل على الله عز وجل وصدق العزيمة، وألَّا يهن الإنسان أمام
هذه الأمور؛ لأن الإنسان في هذه الأمور إذا ألقى بالَهُ لها فلا يخلو من
حالين:
إما أن يستجيب لها، وحينئذٍ يكون علَّق أفعاله بما لا أصل له، يستجيب
لها؛ يعني: فيُقدِم أو يحجم، أو ما أشبه ذلك، فيكون علَّق أفعاله على ما لا حقيقة
له.
وإما ألَّا يستجيب لهذا الأمر لكن يبقى في نفسه حزازة وهمٌّ وغمٌّ؛ يعني
يكون عنده نوع من التوكل ويقدم ولا يبالي لكن يكون في نفسه شيء، فنقول له: أيضًا
هذا وإن كان أهون من الأول لكنه يجب أيضًا ألَّا يستجيب لداعي هذه الأمور التي
نفاها الرسول عليه الصلاة والسلام، وأن يكون معتمدًا على الله عز وجل.
بعض الناس
-مثلًا- قد يفتش المصحف لطلب الفأل، (...) أول ما يشوف، ثم إذا شاف فيه ذكر النار
قال: واللهِ هذا فألٌ ما هو زين، وإن شاف فيه ذكر الجنة قال: هذا فألٌ زين، هذا
أيضًا غلظ، هذا مثل الجاهلية، مثل اللي يستقسم بالأزلام.
فالحاصل أننا نقول: لا
تجعل على بالك مثل هذه الأمور إطلاقًا، الأسباب المعلومة الظاهرة توقَّ أسباب الشر،
وأما الأسباب الموهومة التي لم يجعلها الشرع سببًا بل نفاها فلا يجوز لك أن تتعلق
بها، احمد الله على العافية، وقل: ربنا عليك توكلنا، وسيأتي -إن شاء الله- (...)
الطيرة أيضًا.
طالب: طيب يا شيخ، المصحف (...) يتفاءل
ما هو يتشاءم، إذا كان فيه تشاؤم (...)؟
الشيخ: أبدًا
ولا يتفاءل؛ لأن هذا من البدع، فعله بعض أهل العلم لكنه بدعة، الصحيح أنه من البدع،
وكون الإنسان يعتمد على هذه الأمور أيضًا على التفاؤل والتطير دائمًا هذا يؤثر على
مجرى حياته؛ يبدأ إذا لم يصادفه ما يتفاءل به استحسر وقال: واللهِ اليوم ما شوفنا
شيئًا نتفاءل به.
الطالب: قول الرسول:
«يُعْجِبُنِي الْفَأْلُ» ؟
الشيخ: ما يخالف،
«يُعْجِبُنِي الْفَأْلُ»
لكن ما كان الرسول يتفاءل بكل شيء،
«يُعْجِبُنِي
الْفَأْلُ» إذا سمع الإنسان -مثلًا- شيئًا يسره أو ما أشبه ذلك لا شك أن
الإنسان يُسَر به؛ مثلما قدم سهيل في قصة الحديبية وقال:
«سَهُلَ مِنْ أَمْرِكُمْ» ، وما أشبهه،
إنما كون الإنسان يجعل هذه الأمور على باله ويتقصدها تقصدًا فهذا من
البدع.
طالب: فيه بعض الناس (...) الزواج في صفر
(...)؟
الشيخ: لا، هذا أيضًا غلط؛ لأن الجاهلية أيضًا
يتشاءمون به في النكاح وغيره، لكن يوم الأربعاء خاصة يتشاءمون به في
النكاح.
الطالب: من باب المخالفة؟
الشيخ: لا، ما ينبغي، الرسول ما هدانا لهذا ولا فعله بنفسه،
ولهذا نقول: لا هو بخير ولا شر، نعم لو فُرِض أن هذه العقيدة شاعت في الناس وصاروا
يتشاءمون، فأراد أحد أن يبيِّن لهم أنه لا حقيقة لهذا الأمر وتزوج في صفر من باب
تحقيق خبر الرسول عليه الصلاة والسلام في قوله:
«وَلَا
صَفَرَ»؛ لكان هذا له وجه، فتكون هذه المسألة في قضية خاصة لا في
العموم.
قال:
(ولمسلم: «وَلَا نَوْءَ وَلَا
غُولَ») (النَّوْء) واحد الأنواء، والأنواء هي منازل القمر، وهي ثمانٍ
وعشرون منزلة، كل منزلة لها نجم، النجوم المعروفة ثمانٍ وعشرون نجمًا، تدور بمدار
السنة، هذه النجوم بعضها يأتي في أيام الصيف نجوم يسمونها النجوم الشمالية، هذه
لأيام الصيف، والنجوم الجنوبية لأيام الشتاء، من المعلوم أن أيام الشتاء بالنسبة
لجزيرة العرب أجرى الله سبحانه وتعالى العادة أن المطر يكون فيها، وفي أيام الصيف
لا مطر؛ جفاف.
العرب كانوا يتشاءمون بالأنواء ويتفاءلون بها؛ فبعض النجوم
يقولون: هذا نجمُ نحسٍ لا خير فيه، إذا ظهر هذا النجم قال: خلاص، ما فيه إلا جفاف،
وبعض النجوم بالعكس؛ يتفاءلون به ويقولون: هذا نجم سعود، وهذا نجم خير، ولهذا إذا
مُطِروا قالوا: مُطِرْنا بنوء كذا، ما يقولون: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته، ولا شك
أن هذا جاهلية في غاية ما يكون من الجهل بالله رب العالمين.
ألسنا نحن أدركنا
هذا النوء بعينه في سنة يكون فيه مطر وفي سنة لا يكون فيه المطر؟ ولَّا لا؟ نحن
الآن في النجوم الوسمية التي كانت كثيرًا ما يكون في زمنها الأمطار، وتجد يمر علينا
سنوات يكون في هذا الوقت جفافٌ لا مطر، والعكس بالعكس.
إذن النوء هل له تأثير؟
أبدًا، ليس له تأثير، إنما النوء لا أثر له، النوء وقت، تقدير، نقول: طلع هذا النجم
مثلما نقول: طلعت الشمس، فليس له إلا طلوع وغروب، وهو مما يدل على دخول الفصول فقط،
أما أن يكون له تأثير في نزول المطر أو في الجفاف هذا لا أثر له.
وقد ذهب هذا
النوء الجاهلي وجاءنا نوء القرن العشرين؛ وهو الضغط الجوي والمنخفض الجوي، في
الأيام الماضية جاءنا أمطار، قالوا: هذا منخفض جاءنا فيه واحد من السودان، هذا
منخفض جوي جاءنا من السودان، ما أدري ويش اللي جاب السودان (...)؟! سبحان الله
العظيم!
هذا وإن كان قد يكون حقيقيًّا من الناحية السبب الطبيعي، لكن لا ينبغي
أن يُفْتَح للناس هذا الأمر.
طالب: (...).
الشيخ: هم (...)، لكن على فرض أن هذا أمر يبعثه الله من الجهة
هذه لماذا لا نقول: مُطِرنا بفضل الله، وهذا من رحمة الله، وهذا من نعمة الله؟! أنا
أعتقد أن العامة بعد سنوات يبغون يبقون كل يوم يشوفون السودان، يتوجهون إلى
السودان، متى يجيء المنخفض الجوي؟ ومتى يجيء..؟ هذا غلط الحقيقة، لكن هؤلاء جهال،
اللي يتكلمون بهذا جهال جدًّا، ولا يدرون؛ لا عن الأمور الشرعية، ولا عما سيحدث
للناس بمثل هذا الكلام، والواجب أن نقول: مُطِرنا بفضل الله، والله هو الذي يبعثه،
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ [النور: ٤٣]،
اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ [الروم: ٤٨].
فها نحن راحت الأنواء (...) المنخفضات الجوية (...) من الترهات التي تصرف
الإنسان عن تعلقه (...).
«وَلَا غُولَ» (الغول) جمع
غَوْلة أو غُولة، ونحن بلغتنا العامية نسميها الهُولَة؛ لأنها تهول الإنسان، وبعض
الناس يقولون: (...).
هذه العرب كانوا إذا سافروا أو ذهبوا يمينًا وشمالًا
تغوَّلت لهم الشياطين؛ يعني: تلونت بألوان مفزعةٍ مخيفةٍ، فتُدْخِل في قلوبهم الروع
والخوف، فتجدهم يكتئبون ويستحسرون عن الذهاب إلى هذا الوجه الذي أرادوه، وهذا لا شك
أنه يُضعِف التوكل، ولكن الرسول نفاه عن الأمة ولم ينكِر وجوده، قد يوجد لكنه نفى
أن يؤثر، كأنه يقول عليه الصلاة والسلام: لا تؤثر عليكم هذه الغول إن وُجِدت؛ وذلك
لأن الشيطان حريصٌ على إدخال الحزن والخوف والقلق على الإنسان بقدر ما يستطيع، قال
الله تعالى:
إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [المجادلة: ١٠].
فهذه الغول نفاه الرسول عليه الصلاة والسلام، والمراد النهي عن
اعتبارها أو أن المراد تأثيرها، وأنها (...) لا تهمكم، ولو أنها أوحشتكم أو
خوَّفتكم أو سمعتم منها أقوالًا فلا تلتفوا إليها، ولذلك أكثر ما يُبْتَلى الإنسان
بهذه الأمور إذا كان قلبه معلَّقًا بها، أما إذا كان متوكلًّا على الله عز وجل
معتمدًا عليه غيرَ مبالٍ بها فإنها لا تضره ولا تمنعه عن وجهة قصده.
(ولهما
عن أنس بن مالك) (لهما) الضمير يعود على من؟ البخاري ومسلم.
(عن أنس،
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا عَدْوَى، وَلَا
طِيَرَةَ») تقدم الكلام عليهما
«لَا عَدْوَى، وَلَا
طِيَرَةَ».
«وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ»
يعجبني: يسرني،
«الْفَأْلُ» وبينَّه
(قالوا: وما
الفأل؟ قال: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ» )
بيَّنها، فالكلمة الطيبة يسمعها تسرُّه عليه الصلاة والسلام؛ لأن الكلمة الطيبة
على وصفها طيبةٌ، فهي تعجبه. لماذا؟ لما فيها من إدخال السرور على الإنسان
والانبساط والمضي قدمًا لما يريد الاتجاه إليه، وليس هذا من الطيَرة، بل هذا مما
يشجع الإنسان؛ لأنها لا تؤثر عليه، بل تزيده طمأنينة وتزيده إقدامًا، ولهذا كان
الرسول عليه الصلاة والسلام يعجبه الفأل.
حتى ظاهر الحديث
«الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ» في كل شيء؛ فإن الكلمة الطيبة في
الحقيقة تفتح الطيب وتكون سببًا لخيرات كثيرة، حتى إنها تُدْخِل المرء في جملة ذوي
الأخلاق الحسنة؛ أن يلقى أخاه بوجه طلق أو أن يسمع منه كلمة طيبة.
في هذا الحديث
جمع النبي عليه الصلاة والسلام بين محظورين ومرغوب، ما هما المحظوران؟ العدوى
والطيرة، ومرغوب وهو الفأل، وهذا من حسن تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن كل
شيء يُذْكر مرغوبًا ينبغي أن يُذْكر عنده ما يكون مرغوبًا، ولهذا كان القرآن مثاني؛
إذا ذكر الله أوصاف المؤمنين ذكر أوصاف الكافرين، أو بالعكس، إذا ذكر الجنة ذكر
النار، إذا ذكر العقوبة ذكر المثوبة.. وهكذا.
طالب:
(...) مقصود أن الواحد إذا أقدم أو أراد أن يُقدم على شيء رأى شيئًا
(...)؟
الشيخ: إي نعم، هذا هو.
الطالب: طيب ما هو مثل التشاؤم بس بطريقة معاكسة؟
الشيخ: إي؛ لأن هذه مثلما سمعت، هذه تزيد الإنسان طمأنينة فيما
كان معتمدًا فعله من قبل، لكن الطيرة يتشاءم ويرى أنه سيُصاب مثلًا، أو سيخيب، أما
هذا فإنها تدخل السرور، وقد قلنا قبل قليل: إن إدخال السرور على المؤمن هذا مما جاء
به الإسلام، ومما يدعو إليه الإسلام انشراح الصدر وانطلاق الإنسان في أموره ومهامه
التي تنفعه طبعًا، هذا لا شك أنه مما يرغب فيه الإسلام، أحسن من كون الإنسان يستحسر
وفيه شيء يجعله على باله ولا (...) شيء أبدًا.
طالب:
يستلزم من هذا -يا شيخ- نقول: الباب هذا -يعني: حب الفأل أو بغض الطيرة- ما هو من
باب التوكل إطلاقًا، ولكن من باب التيسير أو عدم..؟
الشيخ: لا، من باب التوكل، التطير يضعف التوكل؛ لأن الإنسان
المتطيِّر لو اعتمد على الله حق الاعتماد ما ذهب إلى هذا التطيُّر، ولا أثر فيه كون
هذا الطير يروح يمينًا أو شمالًا، ويقول: إن اتجاهي إلى هذا الاتجاه، معناه أني أنا
فاشل في هذه الوجهة.
الطالب: طيب، مثله هذا؟
الشيخ: لا يا أخي، ما هو مثله، هذا الرجل قاصد من الأصل، قاصدٌ
وراءٍ في ذلك خيرًا، ولكن هذا يزيده إقدامًا.
الطالب:
ويش العلاقة بينهما؟
الشيخ: (...) تقول: ويش الفرق
ولَّا ويش العلاقة؟ العلاقة ما بينهما علاقة.
الطالب:
لا، ويش العلاقة بين أني أشوف شيئًا يسرني وبين الإقدام هذا؟
الشيخ: العلاقة أني إذا شوفت شيئًا يسرني فأنا أتفاءل بأن هذا
خير؛ مثلما تفاءل الرسول عليه الصلاة والسلام لما جاء سهيل قال:
«قَدْ سَهُلَ مِنْ أَمْرِكُمْ»، هذا شيء في طبيعة.. حتى
الإنسان إذا بدأ في شغل من الأشغال وشاف أنه من الأصل متيسرٌ وماشٍ الشغل على ما
ينبغي، يتفاءل ولَّا لا؟ يتفاءل وينشط، لكن بالعكس لو يعاكس هذا الشغل من أول مرة
تجده يتشاءم، لكنه لا ينبغي له أن يحجم إذا كان يرى أن فيه خيرًا، بل يعتمد على
الله ولا يضره أن يفشل في أول مرة، هذا شيء تدعو إليه النفوس، طبيعة الإنسان
هكذا.
طالب: لو إنسان (...)؟
الشيخ: ما فيه شيء أبدًا، هذه مثل
رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي [طه: ٢٥، ٢٦]، هذا مضمونه،
إذا ما انشرح صدر الإنسان لما يصيبه من خير أو من شرٍّ، هذه نعمة كبيرة، يبقى
دائمًا مسرورًا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:
«عَجَبًا
لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ» ،
فالمؤمن في الحقيقة دائمًا مسرور حتى لو أُصِيب؛ لأنه يرى أن هذه المصيبة فيها من
الخير الكثير؛ إما تكفير سيئات أو تكفير ورفعة درجات، فيسرُّ بهذا يقول: الحمد لله،
هذا أمرٌ مقدَّر عليَّ، وأجره الذي يصيبني أحبُّ إليَّ مما فاتني.
قال:
(ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذُكِرَت
الطيرة) عندكم في الشرح تنبيه على هذا، ويش يقول؟
طالب: صوابه عروة بن عامر، كذا أخرجه أحمد وأبو داود
وغيرهما.
الشيخ: نعم، إذن اللي ما معه الشرح
(...).
طالب: إسناده ضعيف.
الشيخ: إسناده ضعيف؟ لماذا؟
الطالب:
يقول: عروة بن عامر مختلف في صحبته.
الشيخ: طيب، هذا
كلام ابن حجر.
الطالب: إي، وعزاه مصنف الحديث إلى أحمد
صفحة كذا (...).
طلبة: (...).
الشيخ: (...) التيسير، اللي عندنا عند أبو داود.
طالب: (...).
الشيخ: مسألة الاختلاف
في كون عروة صحابي هذا ما يضر، إذا قال المؤلف: إن إسناده صحيح؛ لأنه معناه أنه
أثبت أن عروة صحابي، لكن المشكل حبيب أنه مدلس ومعنعن في هذا الحديث، ثم إن ابن حجر
يقول: الظاهر أنه لم يلقه، هذه علة، لكن ما ذكر شيئًا لماذا صححه المؤلف؟
طالب: ما تكلم.
الشيخ: ما تكلم،
طيب.
(قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه
وسلم فقال: «أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا، فَإِذَا رَأَى
أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا
أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ
إِلَّا بِكَ» ).نشرح هذا
الحديث بناء على أنه صحيح،
(قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله
صلى الله عليه وسلم) وهذا الذكر إما أنه ذُكِر شأنها، أو ذُكِر أن الناس
يفعلونها، ما نعرف، المهم أنها لما ذُكِرت قال عليه الصلاة والسلام:
«أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ»، وقد سبق أن الفأل ليس من الطيرة
لكنه شبيه بالطيرة من حيث الإقدام؛ فإنه يزيد الإنسان نشاطًا وإقدامًا فيما توجه
إليه، فهو يشبه الطيرة من هذا الوجه، وإلا فبينهما فرق؛ لأن الطيرة تُوجب تعلَّق
الإنسان بالمتطيَّر به، وضعف توكله، ورجوعه عما همَّ به من أجل ما رأى، لكن الفأل
يزيده ثباتًا ونشاطًا وإقدامًا، فالشبه الذي بينهما التأثير في كل منهما.
وقوله
عليه الصلاة والسلام:
«وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا» وعلم
من قوله:
«لَا تَرُدُّ مُسْلِمًا» أن من ردَّته الطيرة
عن حاجته فليس بمسلم، وسيأتي -إن شاء الله- أنه أُطْلِق عليه أنه مشرك.
قال:
«فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ» حينئذٍ
تأتي أيش؟ ويش اللي يأتي إذا رأى ما يكره؟ ترد على القلب الطيرة، يتطير ويبتعد عن
هذا الشيء ولا يقدم عليه، ذكر النبي عليه الصلاة والسلام دواءً لذلك فقال:
«فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ،
وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا
بِكَ» وهذا هو حقيقة التوكل.
«اللَّهُمَّ»
يعني: يا الله، ولهذا بُنِيت على الضم على أنها منادى، علَم ولَّا غير علَم؟ علَم،
بل هو أعلم الأعلام، اسم الله أعرف المعارف على الإطلاق، أعرف من الضمير، قوله:
«اللَّهُمَّ» الميم هذه عوض عن (اليا) المحذوفة، وصارت
في آخر الكلمة تبركًا بالابتداء باسم الله سبحانه وتعالى، وصارت ميمًا؛ لأنها تدل
على الجمع، فكأن الإنسان الداعي جمع قلبه على الله سبحانه وتعالى، فقال:
اللهم.
«لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا
أَنْتَ» لا يأتي بها إلا أنت؛ أي: لا يقدرها ويخلقها ويوجدها للعبد إلا
الله وحده لا شريك له.
وهذا لا ينافي أن تكون الحسنات بأسباب؛ لأن خالق هذه
الأسباب هو الله، فإذا وُجِدت هذه الحسنات بأسباب خلقها الله صار الموجِد حقيقةً هو
الله سبحانه وتعالى.
وقوله:
«يَأْتِي
بِالْحَسَنَاتِ» ليس المراد به الحسنات الشرعية التي هي الصلاة والزكاة
والصوم والحج؛ المراد بالحسنات ما يستحسن المرءُ وقوعَه، ويحسن في عينه، يشمل ذلك
الحسنات الشرعية؛ لأنها تسر المؤمن، ويشمل الحسنات الدنيوية؛ كالمال والولد وما
أشبه ذلك،
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌالحسنات هنا مثل
الآية
تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ [التوبة: ٥٠]، وفي الآية الأخرى:
إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا [آل عمران: ١٢٠].
وقوله:
«إِلَّا أَنْتَ» ويش محل (أنت) من الإعراب؟ فاعل
(يأتي)؛ لأن الاستثناء هنا مفرَّغ.
«وَلَا يَدْفَعُ
السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ»، السيئات ما يدفعها إلا الله عز وجل،
ولهذا إذا أُصِيب الإنسان بسيئة إلى أين يتجه؟ إلى الله، حتى المشركون إذا ركبوا في
الفلك وشاهدوا الغرق دعوا الله مخلصين له الدين، فلا يدفع السيئات إلا الله عز
وجل.
ولا ينافي هذا أن يكون دفعها بأسباب؛ لو رآك رجلٌ غريقًا، ثم أنقذك من
الغرق فإنما أنقذك بأي شيء؟ بمشيئة الله عز وجل، لو شاء الله ما أنقذك، حتى السبب
الذي يكون به اندفاع السيئات فهو من الله عز وجل.
إذن فلا يدفع السيئات إلا
الله، هذه عقيدة كل مسلم؛ أنه لا يأتي بالحسنات إلا الله، ولا يدفع السيئات إلا
الله، وإذا كانت هذه عقيدة كل مسلم فإن يجب عليه بمقتضى هذه العقيدة ألَّا يسأل
الحسنات إلا من الله، ولا يسأل دفع السيئات إلا من الله، ولهذا الرسل عليهم الصلاة
والسلام يسألون الله تعالى الحسنات ويسألون دفع السيئات؛
رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [آل عمران: ٣٨]،
وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: ٨٣]، وهكذا المؤمنون
أيضًا.
وقوله:
«وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا
بِكَ»، ما معنى هذه الجملة وهي ترد كثيرًا؛ ترد عن الأذان نقول إذا قال:
حي على الصلاة، نقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فما معنى هذا؟ هل المعنى أنه ما
يوجد حولٌ ولا قوة إلا بالله، والباء تكون بمعنى (في)؛ يعني: إلا في الله وحده، ومن
سواه ليس لهم حول ولا قوة؟ إن كان هكذا فإنه يتعين أن تكون الباء بمعنى (في)، ويكون
الحول المنفي الحول المطلق والقوة المطلقة؛ وذلك لأن غير الله عز وجل فيه حول وقوة
ولكنها نسبية ليست بكاملة، الحول الكامل والقوة الكاملة في الله وحده. هذا أحد
الوجهين في معناها.
الوجه الثاني أن الحول والقوة مضافًا إلى الإنسان، والباء
هنا للاستعانة أو للسببية؛ أي: لا حول لنا ولا قوة لنا إلا بالله عز وجل.
ومقتضى
ورودها في مواضعها أن يكون هذا المعنى الثاني أصح وهو المقصود؛ وهو أننا لا نتحول
من حالٍ إلى حالٍ ولا نقوى على ذلك إلا بالله، فيكون في هذه الجملة كمال التفويض،
وأن الإنسان يبرأ من حوله وقوته إلا بما أعطاه الله عز وجل من الحول والقوة.
إذن
يكون الرسول صلى الله عليه وسلم -إذا صح الحديث- قد أرشدنا إذا رأينا ما نكره مما
يتشاءم به المتشائم أن نقول:
«اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي
بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَصْرِفُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا
أَنْتَ»؛ يعني: وأما هذه الأشياء فإنها لا تأثير لها.
«وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ»؛ فأنت صاحب
الحول وأنت صاحب القوة، وكل الأمور لا تكون إلا بك أنت وحدك.
طالب: (...) تعارض؟
الشيخ: لا،
بينهما اختلاف في المعنى.
الطالب: ما نقول: كلها
مرادة؟
الشيخ: بس هذاك أحسن، مواضعها فيما جاءت به تدل
على أن المراد تبرؤ الإنسان من حوله وقوته، وهذا الحديث إذا صحَّ فالمعنى الأول
أوجه من المعنى الثاني، في هذا الحديث المعنى الأول أنك أنت يا ربنا الذي بيدك
الحول كله والقوة كلها، فهذا المتطيَّر به ليس بشيء.
(وله من حديث ابن مسعود
وغيره: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ
شِرْكٌ»).طالب: ما عندنا (وله).
الشيخ: إلا (وله).
الطالب:
(وعن).
الشيخ: وعنه؟
الطالب: (وعن ابن مسعود).
طالب آخر:
عندنا (وله).
الشيخ: (وعن ابن مسعود)؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: ويش
عندك؟
طالب: (وعن ابن مسعود).
الشيخ: ما فيه (وله)؟
الطالب:
لا.
طالب آخر: في الأخير قال: رواه أبو داود.
الشيخ: إذن معناه (له) ما لها معنى، اشطب عليه.
(وعن ابن
مسعود مرفوعًا: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ
شِرْكٌ» ).
(مرفوعًا)
يعني: إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله:
«الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» هاتان
الجملتان مؤكد بعضهما ببعض من باب التوكيد اللفظي؛ لأنك إذا كررت الكلام بلفظه
يُسَمى توكيدًا لفظيًّا، قال ابن مالك:
| وَمَا مِنَ التَّوْكِيدَ لَفْظِيٌّ يَجِي |
مَكَرَّرًا كَقَوْلِكَ ادْرُجِي
ادْرُجِي |
(ادرجْ ادرجْ) هذا توكيد لفظي.
قال:
«الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» يعني: أنها من الشرك وليست
الشرك كله، لو كان المراد أنها الشرك كله لقال: الطيَرةُ الشركُ، فهي إذن من
الشرك.
وعلى هذا فإننا نسأل: هل المراد بالشرك هنا الشرك الأكبر المخرِج عن
الملة أو أنها نوع من أنواع الشرك؟
نقول: إنها نوع من أنواع الشرك؛ كقوله صلى
الله عليه وسلم:
«اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ
كُفْرٌ» ؛ يعني: ليس الكفر المخرِج
عن الملة، ما قال: هما بهم الكفر، لكن في ترك الصلاة:
«بَيْنَ
الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» فقال:
«الْكُفْرِ»، فيجب أن نعرف الفرق بين (أل) المعرِّفة أو
الدالة على الاستغراق وبين خلوِّ اللفظ منها.
فإذا قيل مثلًا: هذا كفر فالمراد
لا يخرج من الملة، وإذا قيل: هذا الكفر فهو المخرِج من الملة.
إذن هنا نقول: هي
شرك لكنها لا تخرِج من الملة؛ لو تطير الإنسان بشيء رآه أو سمعه فإنه لا يُعَد
مشركًا شرِكًا مخرجًا عن الملة، لكنه أشرك من أي ناحية؟ من حيث إنه اعتمد على هذا
السبب الذي لم يجعله الله سببًا، وهذا يضعف التوكل على الله عز وجل ويُوهن العزيمة.
وقد مرَّ علينا قاعدة: أن كل إنسان اعتمد على سببٍ لم يجعله الشرع سببًا فهو مشرِك؛
لأن أوجد سببًا لم يجعله الله سببًا، وهذا نوع من الإشراك مع الله؛ إما في التشريع
إن كان هذا السبب شرعيًّا، وإما في التقدير إن كان هذا السبب كونيًّا.
إذن نقول:
هي شرك لا يخرج من الملة. لكن ما رأيكم لو اعتقد هذا المتشائِم أو هذا المتطيِّر،
لو اعتقد أن هذا فاعل بنفسه دون الله؟ يكون شرِكًا أكبر؛ لأن كل من اعتقد أن شيئًا
يشارك الله تعالى في الخلق والإيجاد فإنه مشرك؛ فإن الله تعالى وحده هو
الخالق.
مشرِك بأي أنواع الشرك؛ الألوهية ولَّا الأسماء والصفات ولَّا
الربوبية؟
طالب: الربوبية.
الشيخ: الربوبية نعم.
قال:
«وَمَا
مِنَّا إِلَّا» نشوف الإعراب إعراب هذه الجملة فيه إشكال، من يستطيع أن
يعربها؟ (...) والمبتدأ محذوف، لكن إن شئت فقدِّرْه قبل (إلا) واجعل ما بعد (إلا)
بدلًا منه، وإن شئت فهو الذي بعد (إلا)؛ إن قدَّرت ما بعد (إلا) اسمًا فهو له هذان
الوجهان، إن قدرته فعلًا فإن المبتدأ محذوف؛ لأن المبتدأ ما يكون فعلًا؛ يعني: وما
منا أحد إلا تطير، أو إلا وقع.
والخلاصة الآن أن (منا) جار ومجرور خبر مبتدأ
محذوف، هذا المبتدأ إما أن يكون قبل (إلا) إن قدَّرت ما بعد (إلا) فعلًا؛ وما منا
أحد إلا تطير. أو المبتدأ محذوف بعد (إلا)؛ يعني: وما منا إلا متطير.
طيب
«وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ
بِالتَّوَكُّلِ»؛ يعني: ما من إنسان يسلم من التطير، ما من إنسان يسمع
شيئًا فيتشاءم، أو يبدأ في فعل من الأفعال فيجد أولَه ليس بالسهل فيتشاءم
ويتركه.
يقول:
«وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ
بِالتَّوَكُّلِ»، والتوكل هو صدق الاعتماد على الله سبحانه وتعالى في
جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله، هكذا فسروه صدق الاعتماد على الله في جلب
المنافع ودفع المضار مع الثقة به، ما يكفي أن تصدق الاعتماد فقط بل تثق به؛ لأنه
سبحانه وتعالى يقول:
وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: ٣].
طالب: شيخ، ويش الفائدة
من الحذف؟
الشيخ: قد يُحْذَف الشيء كراهةً لذكره بلفظه،
ويكون موكولًا إلى ذهن السامع.
الطالب: يعني مثلًا
(...).
الشيخ: (...) نعم.
قال:
(رواه أبو داود
والترمذي وصححه، وجعل آخره من قول ابن مسعود)، أين آخره؟
«وَمَا مِنَّا إِلَّا»، وهو جدير بأن يكون من قول ابن مسعود،
وعلى هذا فيكون موقوفًا لكن مدرجًا، من أقسام المدرج، وقد مرَّ علينا في مصطلح
الحديث أن المدرج أن يُدْخِل أحد الرواة كلامًا من عنده في الحديث بدون بيان، وقد
يكون في الإسناد وقد يكون في المتن، لكن أكثره في المتن، وتقدم لأجل نستذكر ما مضى،
قد أنه يكون الإدراج في أول الحديث، ويكون الإدراج في وسط الحديث، ويكون الإدراج في
آخر الحديث، وهو الأكثر.
مثاله في أول الحديث؟
طالب:
أسبغوا الوضوء.
الشيخ: إي، قال أبو هريرة رضي الله عنه:
أسبغوا الوضوء؛ «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ»
،
فـ
(أسبغوا الوضوء) هذا من كلام أبي هريرة، و
«وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» من كلام النبي صلى الله
عليه وسلم.
وفي أثنائه؟
طالب: التعبد (...)
التحنث.
الشيخ: إي، قول الزهْري في حديث بدء الوحي:
كان الرسول يتحنث في غار حراء، والتحنث: التعبد . قد
يقول السامع: إن هذا من قول عائشة فسرته، وهو من قول الزهري.
ومثلوا له أيضًا
بحديث -لكنه ضعيف في الحقيقة-:
«مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ
وَرُفْغَيْهِ فَلْيَتَوَضَّأْ» .
مثاله
في آخره؟
طلبة: هذا الحديث.
الشيخ: هذا الحديث، نعم.
ومنه أيضًا..
طالب: الشغار (...).
الشيخ: تفسير
الشغار.
طالب: فمن استطاع منكم أن
يطيل غرته فليفعل.
الشيخ: كذلك حديث أبي هريرة:
مَنِ استطاعَ مِنكم أنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فلْيَفْعَلْ
،
فإن هذا من كلام أبي هريرة.
طيب حكم المدرج؟
طالب:
(...).
الشيخ: اللي قال: ما يجوز (...) الحديث المروي
(...).
أو مسموع أو (...) وهو لا يُسْمع ولا يُرَى؛ كالتشاؤم بالأيام والأشهر
ونحوه.
وتقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الفأل؛ لما فيه من تنشيط
الهمة والإقدام على ما ينفع، وسبق أيضًا أن الإنسان إذا أُصِيب بشيء من الطيرة
فليُعْرض عن ذلك نهائيًّا وليتوكل على الله سبحانه وتعالى ويقول: اللهم لا يأتي
بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا إله غيرك، ولا حول ولا قوة إلا
بك.
وسبق أن الطيرة شرك، وأن هذا الشرك يختلف؛ فقد يكون أكبر، وقد يكون أصغر.
يكون أكبر متى؟
طالب: إذا ردته (...) سبب ما جعله الله
سببًا.
الشيخ: (...) يفعل بنفسه فهذا لا شك أنه شرك
أكبر؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا ومحدثًا، وإن اعتقد أنه سبب فهو شرك أصغر وليس
بكفر مخرِج عن الملة.
قال:
(ولأحمد من حديث ابن عمرو: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ»
).
(من) هذه
شرطية، وجواب الشرط جملة (فقد أشرك)، واقترنت الفاء بالجواب؛ لأنه لا يصلح لمباشرة
الأداة، وإذا كان جواب الشرط لا يصلح لمباشرة الأداة وجب اقترانه بالفاء، وقد
جُمِعَ ذلك في ضابط معروف، وهو:
| اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ |
وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ
وَبِالتَّنْفِيسِ |
سبع.
وقوله:
«مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ» الحاجة:
كل ما يحتاجه الإنسان مما تتعلق به الكمالات، وقد تُطْلَق على الأمور
الضروريات.
وقوله:
«فَقَدْ أَشْرَكَ» يقال في
الشرك هذا: أكبر ولَّا أصغر؟
طالب: إن كان يعتقد أنه
يفعل بنفسه فهو أكبر، وإن كان (...) فهو أصغر.
الشيخ:
إي، يعني إن كان يعتقد أن هذا المتشاءم به يفعل الشيء بنفسه ويُحْدث الشر بنفسه فهو
كفر، شرك أكبر، وإن كان يعتقده سببًا فهو شرك أصغر؛ لأنه سبق لنا قاعدة مفيدة في
هذا الباب؛ وهو أن كل من اعتقد في شيء أنه سبب ولم يَثْبُت أنه سبب لا كونًا ولا
شرعًا فإنه من الشرك الأصغر؛ لأنه ليس لنا أن نثبت بأن هذا سبب إلا إذا كان الله
تعالى قد جعله سببًا كونًا أو شرعًا؛ أما شرعًا فمثل: القراءة، والدعاء، ونحو ذلك،
وأما كونًا فمثل هذه الأدوية التي جُرِّبت فنفعت، فإنها سبب كوني يتعلق
بالخلق.
قال:
(قالوا: فما كفارة ذلك؟) يعني:
ما كفارة هذا الشرك، أو ما هو الدواء الذي يزيل هذا الشرك؟ لأن الكفارة قد تُطْلَق
على كفارة الشيء بعد فعله، وقد تُطْلَق على الكفارة منه قبل الفعل؛ وذلك لأن
الاشتقاق مأخوذ من الكَفْر، وهو الستر، والستر واقٍ؛ فكفارة ذلك إن وقع، وكفارة ذلك
إن لم يقع.
كفارة ذلك أن يقول:
«اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ
إِلَّا خَيْرُكَ»، فأنت الذي بيدك الخير، فـ
«لَا
خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ» المباشر ولَّا غير المباشر؟ المباشر وغير
المباشر؛ فخير الله المباشر كالذي يأتي بالمطر والنبات، وما أشبه ذلك، وغير المباشر
الذي يكون سببًا من عند الله عز وجل؛ مثل أن يعطيك إنسانٌ دراهم صدقةً أو هديةً، أو
ما أشبه ذلك، هذا الخير من الله، لكن بواسطةٍ جعلها الله تعالى سببًا، وإلا فكل
الخير من الله عز وجل.
وقوله:
«لَا خَيْرَ إِلَّا
خَيْرُكَ» الحصر هنا حقيقي ولَّا إضافي؟ الحصر هنا حقيقي؛ لا خير إلا من
الله عز وجل؛ إما من الله مباشرةً، كما قلنا في المطر والنبات وما أشبهه، أو
بواسطة، بمعنى أن يُقدِّر لك سببًا يوصل الخير إليك.
«وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ» يعني أن الطيور كلها
طيورك، ملكك، فهي لا تفعل شيئًا وإنما هي مسخرة، كما قال الله تعالى:
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ [الملك: ١٩]، فيه
الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ؟
طالب: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ [النحل: ٧٩].
الشيخ: ما هي بسدا الآية، أنا نسيت الآية.
طالب: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ..
الشيخ:
قرأنا هذه، لكن
الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، أول الآية نسيتها.
المهم أن الطير مسخَّر بإذن الله، فالله
تعالى هو الذي يسخِّره ويدبِّره ويصرِّفه، يذهب يمينًا وشمالًا، ولا علاقة للحوادث
بهذا الطير، فالطير طير الله.
ويحتمل أن يكون معنى قوله:
«وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ» أنه عبَّر بالطير عن
الأفعال التي تقع مما يضر الناس، فيكون هنا -أي قوله:
«وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ»- مقابِلًا لقوله:
«لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ»؛ يعني معنى ذلك
أنك أنت الذي تُقَدر الخير، وأنت الذي تُقَدر الشر، لكن سبق لنا أن الشر في فعل
الله واقع ولَّا لا؟ ليس بواقع، فالشر في المفعول لا في الفعل.
إذن يحتمل أن
معنى قوله:
«لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ» أن
الطيور ملكك، فأنت الذي تتصرف فيها وتدبرها كما شئت وليس لها تأثير في
الحوادث.
ويحتمل أن المعنى أن يكون المراد بالطير ما يتشاءم منه الإنسان وما
يتضرر به؛ كما في قوله:
أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف: ١٣١] يعني: شؤمهم؛ يعني فكأنه ما يحصل للإنسان من
التشاؤم أو من الحوادث المكروهة عنده فإنه من الله، كما أن الخير من الله عز
وجل.
وقوله:
«وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ» هذه
نافية للجنس، و(إله) بمعنى: مألوه؛ مثل: غراس بمعنى مغروس، وبناء بمعنى مبني، وفراش
بمعنى مفروش، فقوله:
«لَا إِلَهَ» أي: لا مألوه،
والمألوه هو المعبود حبًّا وتعظيمًا، يتأله إليه الإنسان محبة له سبحانه وتعالى
وتعظيمًا له.
وقوله:
«لَا إِلَهَ غَيْرُكَ»
إذا قال قائل: إن هناك آلهة دون الله، قال الله تعالى:
فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ؟
فالجواب: أن هذه الآلهة وإن عُبِدَت من دون الله
فليست آلهة حقًّا؛ لأنها لا تستحق أن تُعْبَد من دون الله سبحانه وتعالى، فلهذا
نقول: إنه لا إله إلا الله، لا إله غيره سبحانه وتعالى.
يستفاد من هذا الحديث: أنه لا يجوز لإنسان أن ترده الطيرة عن
حاجته، وإنما يعتمد ويتوكل على الله، ولا يبالي بما رأى، ولا يبالي بما سمع، ولا
يبالي بما حدث له عند مباشرته الفعل أول مرة، فإن بعض الناس إذا حصل له ما يكره في
أول مباشرته الفعل تشاءم وتردد، نقول له: ما دامت تعرف أن في هذا مصلحة دينية أو
دنيوية فلا تهتم بما حدث، ولا تتطير به.
ومن فوائد هذا
الحديث: أن الطيرة نوع من الشرك؛ لقوله:
«مَنْ
رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عَنْ حَاجَتِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ».
ويستفاد منه: أن من وقع في قلبه التطير ولكنه لم تردَّه
الطيرة فإن ذلك لا يضره؛ لأنه كما سبق في حديث ابن مسعود:
«وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ
بِالتَّوَكُّلِ»، لكن اعتمدْ ودعْ هذا ولا يضرك.
ومنها: أن الأمور بيد الله عز وجل خيرها وشرها.
ومنها: انفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية كما انفرد
بالخلق والتدبير، فهو المنفرد بالخلق والتدبير، وكذلك منفرد بالألوهية.
(وله
من حديث الفضل بن عباس رضي الله عنه وعن أبيه: «إِنَّمَا
الطِّيَرَةُ مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ» ).«إِنَّمَا الطِّيَرَةُ» هذه الجملة تُسَمى عند
البلاغيين حصرًا؛ يعني: ما الطيرة إلا ما أمضاك أو ردَّك، لا ما حدث في قلبك ولم
تلتفت إليه.
ولا ريب أن السلامة منها حتى في تفكير الإنسان خير بلا شك، فالإنسان
اللي يبعد عن هذه الأمور ولا يلتفت لها هذا لا شك أنه هو السالم، لكن إذا وقعت في
القلب ولم تردَّه ولم يستجب لها فهذا لا تضره، ولكن عليه أن يدافع ذلك لا أن
يستسلم، يدافع ويقول: ما للأمور أثر في الحوادث وإنما الأمر كله بيد
الله.
وقوله:
«مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ»،
أما
«أَوْ رَدَّكَ» فلا شك أنها من الطيرة؛ لأن
التطيُّر يوجب الترك والتراجع. لكن
«مَا
أَمْضَاكَ» أليس هذا من الفأل؟
طالب:
لا.
طالب آخر: نعم.
طالب
آخر: قد يكون مشكلًا.
الشيخ: هو في الحقيقة من
الفأل، إذا كان حقًّا يُتَفاءل به، فما أمضى الإنسان لحاجته فلا يخلو إما أن يكون
من جنس التطير؛ بأن يستدل لذلك لنجاحه أو عدم نجاحه بالطير، فهذا لا شك أنه من
الطيرة، يعني مثلًا قال: أنا بأزجر الطير، إن راح من اليمين فمعنى ذلك اليُمْن
والبركة، فيقدم، هذا لا شك أنه تطير. لماذا؟ لأن التفاؤل بمثل انطلاق الطير عن
اليمين صحيح ولَّا لا؟ غير صحيح؛ لأنه لا وجه للتفاؤل، الطائر إذا طار يبغي يروح
إلى الذي يرى أنه وجهته.
أما إذا كان سبب المضاء بسبب كلامٍ سمعه أو شيء شاهده
يدل على تيسير هذا الأمر له فإن هذا فألٌ، وهو الذي يعجب الرسول عليه الصلاة
والسلام، فهل هو من الطيرة؟
نقول: إن اعتمد عليه صار حكمه حكم الطيرة، إن اعتمد
على هذا الفأل دون الله عز وجل صار حكمه حكم الطيرة، وإن لم يعتمد عليه ولكنه علم
بأن هذا من الأسباب التي يسرها الله سبحانه وتعالى له ليُقْدِم على ما أراد فإن ذلك
ليس من الطيَرة المحرَّمة، وإنما هو من التفاؤل.
فصار
«مَا أَمْضَاكَ أَوْ رَدَّكَ» ما ردَّك طيَرة بكل حال،
ما أمضاك فيه تفصيل؛ إن كان من جنس التطير بحيث يعتمد على سبب لم يجعله الله سببًا
-كما لو اعتمد في مضائه على حركة الطيور وما أشبهها- فهذا من الطيَرة؛ لأنه ليس له
تأثير.
وإن كان بسبب جعله الله تعالى سببًا فهذا يُنْظَر فيه، ما هو؟ إن اعتمد
على هذا السبب فهو نوع من الشرك وتطيُّر، وإن اعتمد على الله وجعل هذا من فتح الله
الذي فتحه عليه لييسر له الأمر فهذا من الفأل الذي كان الرسول عليه الصلاة والسلام
يعجبه.
والحديث في سنده مقال..
طالب:
(...)؟
الشيخ: هذا، حديث الفضل، لكنه على تقدير صحته
هذا حكمه.
طالب: شيخ، الأول آل الشيخ ذكر أنه
ضعيف.
الشيخ: أيهم؟
الطالب:
الحديث اللي رواه أحمد حديث ابن عمرو.
الشيخ: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ»؟
الطالب: إي نعم، يقول: إنه ضعيف، والراجح أنه صحيح.
الشيخ: يعني تناقض هو؟
الطالب: لا،
بس هو (...) وقال: إنه ضعيف، وآل الشيخ (...).
الشيخ:
إي، (...) صحيح؟
الطالب: صحيح إي نعم، يقول: رواه أحمد
وابن السني، وهو ما ذكره ابن السني، عن عبد الله بن عمرو بسند صحيح وفيه ابن لهيعة،
ولكن الراوي عنه عند ابن السني هو ابن وهب، وهو ممن رواه عن ابن لهيعة قبل اختلاطه،
فقد صرح ابن لهيعة بالتحديث، فانتفت شبهة تدليسه، وقال أيضًا من بعد ما عزاه لأحمد
والطبراني: وفيه ابن لهيعة، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات.
الشيخ: على كل حال المعنى صحيح الأول.
الطالب: هو صحيح.
الشيخ: إي نعم، إذن
هو صحيح سندًا ومتنًا.
الطالب: نعم.
طالب آخر: (...) ابن لهيعة إذا حدث (...).
الشيخ: إذا حدث عنه العبادلة.
الطالب: (...)؟
الشيخ: عبد الله بن
وهب.
طالب: (...) يمر علينا الدعاء (...) الدعاء
هذا؟
الشيخ: ما بأس أن يجمع بينهما، أو يقول هذا مرة
وهذا مرة، هذا صحيح يجب التنبه له.
طالب: ما يقول (...)
الأول فيه مقال؟
الشيخ: الأول فيه مقال لكن المؤلف
صححه، إسناده صحيح.
طالب: إذا وقع رجل في الكفر العملي
هل يطلق عليه كافر ولا مسلم عاص؟
الشيخ: إذا أطلق عليه
الشارع أطلقناه عليه، فنقول مثلًا لمن ناح، نقول: نياحته كفر.
الطالب: كفر، بس نقول عنه: كافر (...)؟
الشيخ: والله أخشى أن يفهم منه إطلاق الكفر الأصلي، بل يقال:
نياحته كفر، بس، كما قال الشارع.
طالب: (...)
بالمشيئة.
الشيخ: كيف (...) المشيئة؟
الطالب: (...) أنه يفهم من هذا مثلًا (...).
الشيخ: لا، ولا يقولها.
الطالب: يعني
مثل (...).
الشيخ: لا، ما يجوز، لكن عادة أن الطيور
تأتي حول الماء، إذا استدل على ذهابها من الناحية هذه إلى أن فيه ماءً كما فعلوا
جرهم في استدلالهم على ماء زمزم، فهذا لا بأس به، وأما مجرد أنها جاءت فهذا ما
يجوز، ودائمًا الطيور تذهب إلى مراعيها بعيدًا، فإذا آواها الليل جاءت.
قال:
(فيه مسائل:
المسألة الأولى: التنبيه على قوله تعالى: أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ [الأعراف: ١٣١] مع قوله: طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ [يس: ١٩]).
(التنبيه) أو عندكم (التنبه)؟
طالب: التنبيه.
الشيخ: التنبيه
ليتنبه الإنسان؛ وذلك أن ظاهر الآيتين التعارض وليس كذلك، فالقرآن والسنة ليس فيهما
تعارض فيما بينهما ولا في ذاتهما أيضًا، إنما يقع التعارض حسب فهم المخاطب، أما من
حيث الأصل فلا تعارض بينهما.
وقد سبق أن الجمع بينهما أن قوله:
أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِهذا من باب أنه
المقدِّر له، و
طَائِرُكُمْ مَعَكُمْمن باب السبب؛
فـ
طَائِرُكُمْ مَعَكُمْيعني: أنتم سببه، و
طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ(...) قدَّر ذلك وليس موسى ولا
غيره من الرسل.
(الثانية: نفي العدوى) وسبق أن المراد بنفيها نفي تأثيرها
بنفسها لا أنها سبب للتأثير؛ فإن الله سبحانه وتعالى قد جعل بعض الأمراض سببًا
لتأثيرها وانتقالها.
(الثالثة: نفي الطيرة)..
طالب: مثلها.
الشيخ: مثلها؟ نعم،
وليس المعنى أنه ما يوجد متطيِّر، المتطيِّرون موجودون، لكن هذا التطيُّر لا أثر
له.
(الرابعة: نفي الهامة) ويش هي الهامة؟ إما مرض أو الطير.
طالب: أو العدوى.
الشيخ: مرضٌ
معدٍ.
(والخامسة: نفي الصفر) وهو إما شهر صفر، أو داء في بطون
الإبل.
(السادسة: أن الفأل ليس من ذلك بل مستحب) لقول النبي صلى الله
عليه وسلم:
«وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ»، وكل ما أعجب
النبي صلى الله عليه وسلم فإنه حسن، قالت عائشة رضي الله عنها:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيامن في تنعله وترجُّله
وطهوره وفي شأنه كله .
(السابعة:
تفسير الفأل) فسَّره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه الكلمة الطيبة، لكن هذا
التفسير هل هو على سبيل الحصر أو على سبيل المثال؟ تقدم أنه على سبيل المثال، وأن
الفأل كل ما ينشِّط الإنسان من قول أو فعلٍ؛ يعني: من مرئي أو
مسموع.
(الثامنة: أن الواقع في القلوب من ذلك مع كراهته لا يضر بل يذهبه الله
تعالى بالتوكل) مع كراهته شرعًا ولَّا مع كراهة من وقع في قلبه له؟
طالب: مع كراهة من وقع..
الشيخ: هذا
المعنى؛ يعني: إذا وقع في قلبك وأنت كاره له فإنه لا يضرك ويذهبه الله تعالى
بالتوكل؛ لقول ابن مسعود:
وما منا إلا، ولكن الله يذهبه
بالتوكل.
(التاسعة: ذكر ما يقول من وجده) وسبق أنه شيئان: اللهم
لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك. أو:
اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك.
(العاشرة: التصريح
بأن الطيرة شرك) وهو واضح، الطيرة شرك.
(الحادية عشرة: تفسير الطيرة
المذمومة) ما هي؟ ما أمضاك أو ردَّك. وهذا واضح، وتقدم أن الطيرة شرك لكن
بتفصيل.
طالب: (...)؟
الشيخ: ويش هي؟
الطالب:
الطيرة.
الشيخ: تقدم أن فيها تفصيلًا، ما هو
التفصيل؟
طالب: إن اعتقد تأثيرها..
الشيخ: إن اعتقد تأثيرها بنفسها فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنها
سبب فهو شرك أصغر.
باب: ما جاء في التنجيم
01:38:21
ثم قال المؤلف:
(باب ما جاء في التنجيم).
التنجيم
تفعيلٌ من النَّجْم، فمعنى نجَّم؛ أي: تعلم علم النجوم، أو اعتقد تأثير النجوم، إن
قلنا بالأول -تعلم علم النجوم- فإنه يحتاج إلى تفصيل؛ لأن بعضه ممدوح ومحمود وبعضه
مذموم، وإن قلنا بالثاني أنه تأثير النجوم، وهو ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية
الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، شيخ الإسلام يقول: إن التنجيم هو
الاستدلال بالأحوال...